تواجه وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تصاعداً في الاحتقان العمالي إثر استقطاع مبالغ مالية ضخمة من رواتب مأموري الضبطية القضائية لشهر أكتوبر، على خلفية عجزهم عن الوفاء بحصص محاضر سرقة التيار الإلزامية في عدة محافظات، الأمر الذي يعكس تحول الأجهزة الرقابية إلى أدوات للجباية المالية.
​
​
وتصاعدت الأزمة عقب تقديم العاملين في شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء مذكرات رسمية عاجلة إلى وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، اعتراضاً على معاقبة الموظفين باقتطاع دخلهم الشهري نتيجة غياب المخالفات، متهمين الشركة القابضة بتطبيق سياسات محاسبية جائرة تتجاهل استقرار الشبكة وتراجع السرقات فعلياً.

​

​

 

استقطاعات قسرية تفجر غضب الكهرباء
​
​
وفي تفاصيل التحرك الاحتجاجي، خاطب مأمورو الضبط القضائي المهندس أحمد صدقي رئيس شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء، للمطالبة بإلغاء الخصومات المفاجئة التي طالت مستحقاتهم الأساسية، مؤكدين أن ربط الدخل بعدد المحاضر يمثل مخالفة صريحة لقوانين العمل، واعتداء على الأمان الوظيفي للمهندسين العاملين بالتفتيش.
​
​
وبحسب المذكرات المرفوعة، شدد المحتجون على أن مهامهم الوظيفية تتجاوز ضبط المخالفات لتشمل صيانة الشبكات المعقدة ومتابعة الأعطال الطارئة بالمحافظات، لافتين إلى أن نجاحهم في تقليص التعديات وتحسين الكفاءة عوقب بخصم مالي بدلاً من صرف الحوافز، بما يبرز خللاً في التقييم الإداري.
​
​
ومن جانبهم، اعتبر ممثلو اللجان النقابية أن هذه الإجراءات تندرج ضمن توجهات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لتحميل صغار العاملين أعباء الفجوة التمويلية، منوهين بأن إجبار المفتشين على انتزاع غرامات يعرضهم لصدام مستمر مع المواطنين دون سند تشريعي عادل.
​
​
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن ربط الدخل بمستهدفات المخالفات يقوض النزاهة الوظيفية، موضحاً أن إلزام العاملين بحصائل مالية قسرية يدفع نحو النزاع مع المشتركين، مما يهدد السلم الاجتماعي ويزيد الضغوط المعيشية.
​
​
وتأكيداً على خطورة الوضع، أوضح مهندسون متضررون أن الاستقطاعات طالت أجزاء جوهرية من حوافزهم، مؤكدين أن استمرار هذا النهج العقابي سيدفع الكوادر الفنية للتخلي عن الصفة القضائية الممنوحة لهم، تجنباً لتحمل فواتير مالية تعجز دخولهم المحدودة عن سدادها.
​
​
أرقام تعجيزية تلاحق فرق الرقابة
​
​
وعلى صعيد الخطط المقررة، تفرض الشركة القابضة لكهرباء مصر أهدافاً ملزمة للعامين 2026 و2027 لتقليص الفاقد الفني والتجاري، حيث يُلزم 125 مأمور ضبط بشركة مصر العليا بتحرير 193 ألف محضر سنوياً، لتحصيل مبالغ تتجاوز 1.365 مليار جنيه.
​
​
وتشير البيانات الرسمية إلى إلزام شركة مصر العليا بتحصيل 122 ألف محضر بقيمة 832.22 مليون جنيه، مما يوجب على المفتش تحرير 4 محاضر يومياً بقيمة 29.93 ألف جنيه، متجاهلاً واقع الاستهلاك الفعلي ومستوى التزام المشتركين بالمحافظات.
​
​
وفي العاصمة وضواحيها، تتضاعف هذه الالتزامات لتلزم شركة جنوب القاهرة مأمور الضبط بتحرير 12 محضراً يومياً، بينما يلتزم مأمور شمال القاهرة بتحرير 8 محاضر بقيمة 87 ألف جنيه، مع تصاعد النسب بشركات القناة والإسكندرية ومصر الوسطى.

​
ويؤكد استشاري الطاقة والبيئة وعضو مجلس الطاقة العالمي الدكتور ماهر عزيز، أن مكافحة الفاقد ترتكز على تحديث المحولات والشبكات، مشيراً إلى أن تحويل التفتيش إلى حصص رقمية ملزمة يتعارض مع الأصول الهندسية، ويشوه معايير الرقابة الفنية بقطاع الكهرباء.
​
​
وبالتوازي مع تلك الاشتراطات، يشكو الفنيون من غياب وسائل الانتقال لتغطية المساحات الشاسعة بصعيد مصر، لافتين إلى أن الإدارة تطالبهم بتعظيم الإيرادات بمليارات الجنيهات، دون توفير الدعم اللوجستي الكافي أو الحماية القانونية اللازمة لمواجهة التعديات في القرى.
​
​
وتشير تقارير نقابية مستقلة إلى أن فرض الحصص اليومية أشعل نزاعات قانونية واسعة مع المستهلكين، مؤكدة أن الضغط لتحصيل غرامات الفاقد التجاري عبر معاقبة المفتشين، يعكس ارتباكاً تشغيلياً يلقي بتبعات العجز الحكومي على عاتق الكوادر العاملة.
​
​
تسليع الكهرباء وتصاعد الأعباء المعيشية
​
​
وفي سياق الإجراءات المشددة، ألغت الوزارة نظام الممارسة التقديري، مستبدلة إياه بإلزام المباني المخالفة بتركيب عدادات كودية مسبقة الدفع، مع فرض تعرفة موحدة تبدأ من 274 قرشاً لكل كيلووات/ساعة، وتطبيق غرامة تأخير بنسبة 7% على المتأخرين عن السداد.
​
​
وتقضي التوجيهات بحصر تحويل العدادات الكودية إلى اشتراكات رسمية بتقديم نموذج 8 للتصالح وشهادات المرافق، بالتنسيق مع المحليات التابعة لوزارة التنمية المحلية، مما يضع مئات الآلاف أمام تعقيدات بيروقراطية ورسوم تثقل كواهلهم المعيشية بصورة قاسية.
​
​
ويوضح أستاذ الإدارة المحلية الدكتور حمدي عرفة، أن اشتراط استخراج نموذج التصالح النهائي لتقنين العدادات يصطدم ببطء الإجراءات بالمحليات، مشيراً إلى أن فرض العقوبات المالية دون تسهيل التراخيص يفاقم الأعباء على محدودي الدخل في القرى والمدن.
​
​
وترى أوساط برلمانية مستقلة أن هذه السياسات تؤكد تحول مرفق الكهرباء من خدمة حيوية إلى أداة لتحصيل السيولة النقدية، مشددة على أن ملاحقة المشتركين ومعاقبة العاملين يمثلان نتيجة مباشرة للديون المتراكمة الناتجة عن سوء التخطيط والإنفاق الحكومي.
​
​
وامتداداً لهذا التوتر، يحذر مهندسو التوزيع من أن الضغوط المزدوجة، بين استقطاع الرواتب والصدام مع المواطنين، ستفضي إلى ارتباك خطط الصيانة وتأمين التيار، لاسيما مع اتساع الرفض النقابي لسياسات فرض الحصص الإلزامية بمختلف شركات التوزيع.
​
​
ويظل هذا النزاع شاهداً على عمق أزمة إدارة المرافق الحيوية، حيث تصر وزارة الكهرباء على تحصيل مليارات الجنيهات عبر استقطاع مستحقات كوادرها وتغريم المشتركين، بينما يتسع التضامن العمالي لرفض تحويل المهام الرقابية إلى جباية مالية قسرية.